محرم  و عاشوراء دروس و عبر

عــــامٌ جديـــد

لقد إستقبلنا عامًا جديدًا وشهرًا مفضلاً عظيمًا، وقد أفتتحت لأعمالنا سنة جديدة تحصى علينا فيها أعمالنا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فلتكن أعمالنا في عامنا الجديد مفتتحة بالتقوى والصلاح، ثم الندم والتوبة على زمن إنصرم وإنقضى في غير طاعة الله ولم نفز فيه بالرضوان.
ذهب عامُنا شاهدًا لنا أو علينا، فلنخذ زادًا كافيًا، ولنعِدّ جوابًا شافيًا، ولنستكثِر في أعمارِلنا من الحسنات، وتدارَكوا ما مضَى من الهفَوات، وبادروا فرصةَ الأوقات، قبلَ أن يناديَ بكم منادي الشتات ويفجَأكم هادم اللّذات .
ضيــفٌ كريــــم
أظلنا شهرٌ عظيم مبارك هو شهر الله المحرم أول شهور السنة الهجرية ،وأحد الأشهر الحرم التي قال الله فيها: (   إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ) سورة التوبة الآية :36
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال  في قوله تعالى: (فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) أختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حراماً وعظّم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم.
عن أبي بكرة رضي الله عنه قال :  عن النبي صلى الله عليه وسلم قال )  :  إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) رواه البخاري
وكانوا يسمون شهر المحرم شهر الله الأصم لشدة تحريمه

صيام المحرم
ومن فضائل شهر المحرم أنه يُستحب الإكثار من صيام النافلة في شهر محرّم،

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) رواه مسلم

، وقوله صلى الله عليه وسلم: «شهر الله» من باب إضافة التعظيم.

أفضل أيامه اليوم العاشر، فقد صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه،
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:  قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال :  ما هذا قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى قال : فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه)  رواه البخاري

نحن أحق بموسى منهم

نعم  نحن أحق بموسى منهم فهذه الأمة المباركة هي أ متداد للأنبياء والصالحين، وكل نبي وكل صالح من الأمم السابقة إنما هو تابع لهذه الأمة.ونحن أحق بكل نبي من قومه الذين كذبوه وعصوه،والأنبياء عليهم السلام أمتداد لتاريخنا و الأنتماء إلى الأنبياء ليس إنتماء نسب أو بلد، إنما الانتماء للأنبياء يكون بإتباع هديهم وتعاليمهم.

صيام عاشــوراء يكفر سنـــة
قال النبي صلى الله عليه وسلم : «صيام يوم عاشوراء، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه مسلم].
فيا له من فضل عظيم لا يفوِّته إلا محروم، فصيام يوم واحد لا يتجاوز خمس عشرة ساعة يكفر الله به خطايا عام كامل، وهذا من رحمة الله تعالى بنا ولطفه

إنه يكفر الذنوب الصغائر فقط، أما الكبائر فلا تكفرها إلا التوبة النصوح وقبولها.

مخالفــة اليهود والتمـــيز

عن ابن عباس رضي الله عنه قال :  أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع . فمات قبل ذلك “) رواه مسلم
الرسول صلى الله عليه وسلم يريد لنا الرفعة عن مشابهة الكفار، ويريد لنا العزة، ويريد لنا التميز، فلماذا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! نحن أمة مرفوعة، فلم نكون خاضعين؟! نحن أمة متبوعة، فلم نكون تابعين؟! وديننا يأمرنا بالتميز في سلوكنا ومظاهرنا وفي عباداتنا، وأن تكون لنا ـ نحن المسلمين ـ الشخصية المتميزة المبنية على الشعور بالعزة الإيمانية.

صيام عاشوراء مراتب

ذكر بعض الفقهاء أن صيام عاشوراء ثلاث مراتب:
1ـ صوم التاسع والعاشر والحادي عشر.
2ـ صوم التاسع والعاشر.
3ـ صوم العاشر وحده.

وكلما كثر الصيام في محرم كان أفضل وأطيب.
لنتزود من الخيرات واغتنم هذه الأيام لتقدم لنفسك زاداً تجده غداً أمامك ، فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره.
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جن عليك الليل هل تعيش إلى الفجر

يوم عاشوراء يوم النصر للحق وأهله

في غمرة الشعور باليأس والإحباط الذي أصاب المسلمين اليوم من جراء تتابع النكبات والشدائد، يأتي يوم عاشوراء ليُذكِّر الأمة أنه لا تقف أمام قوة الله أي قوة، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون.
شهر الله المحرم شهر نصرٍ وعزٍ لنبي الله موسى صلى الله عليه وسلم وقومه على فرعون الطاغية المتجبر على رغم كثرة عددهم وعدتهم وخيلائهم، فإن الله تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وبإحياء ذكرى ذلك النصر المجيد، على ذلك الطاغية الكبير، نعلن أن الدعوات لا تهزم بالأذى والحرب والأضطهاد، و عاقبة الظلم وخيمة، والله ناصر دينه, وكتابه, وأوليائه، و العاقبة للمتقين والنصر حليفهم متى ما تمسكوا بدينهم، وأستنزلوا النصر من ربهم، قال تعالى: (   وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126 ) [سورة آل عمران:126 الآية ] وقال تعالى : (

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)) سورة غافرالأية :51:52

يوم عاشوراء اليوم الذي قال فيه موسى لقومه لما قالوا له وهم يرون فرعون وجنوده خلفهم: ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61 ) سورة الشعراء: الآية 61]، قال موسى بلغة المؤمن الواثق من وعد الله: (   قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)   سورة الشعراء الآية :62، إنه فضل وأهمية التوحيد والإستسلام في الملمات وتفويض الأمر إلى الله وحده، فمهما حمل لنا العدو من دبابات وقاصفات ومدمرات فإن الله معنا يسمع ويرى ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء قال تعالى : (   فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) سورة مريم : 84].
يوم عاشوراء اليوم الذي قال فيه فرعون المتجبر المتكبر المتألّه، لما أيقن بالهلاك: ( قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)   سورة يونس الآية : 90 ، فردّ الله عليه هذا الإيمان الإضطراري وهذه الدعوى الكاذبة فقال عز من قائل: (  آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ) [سورة يونس: الآية 91 ، 92].
يوم عاشوراء فيه رسالة أن الباطل مهما أنتفخ وأنتفش وتجبر وتغطرس وظن أنه لا يمكن لأحد أن ينازعه أو يرد كيده وباطله أو يهزم جنده وجحافله فإن مصيره إلى الهلاك وعاقبته هي الذلة والهوان، فهذا فرعون الطاغية بلغ به التكبر والغرور أن يدّعي الألوهية، وأن يعلن للناس بكل جرأة وصفاقة: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ) سورة القصص:الآية 38 ]، وأن يقول بملء فيه من غير حياءٍ ولا خجل: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)  ) سورة النازعات:الآية 24 ]، ولكنه حين حل به العذاب لم يُغن عنه ملكه وسلطانه، ولا جنده وأعوانه، ولا تبجحه وادعاؤه،  ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ (25)  سورة النازعات: الآية 25.

إستشهاد سيد شباب أهل الجنة

من المفارقات العجيبة ما حصل في هذا اليوم المبارك أيضًا من قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن أبيه وأمه وآل بيته، حيث قُتل في فتنة عظيمة بين فئتين من المسلمين، وهي فتنة طهّر الله منها أيدينا فلا نخوض فيها بألسنتنا، إن كل مسلم ينبغي أن يحزنه مقتل الحسين أو حتى غير الحسين من عامة المسلمين فكيف إذا كان من أهل الفضل والمكانة، وكيف إذا كان من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه رضي الله عنه من سادات المسلمين وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عابداً شجاعاً سخياً

محـــرم والهجــرة النبوية
العاشر من محرم يُذَكِّرُنَا بِهِجرَةِ المُصطَفَى صلى الله عليه وسلم مِن مَكَّةَ إِلى المَدِينَةِ وَبَدءِ ظُهُورِ الدَّعوَةِ الإِسلامِيَّةِ وَإنتِصَارِ الإِسلامِ وَإنتِشَارِه. و علينا كمسلمين أن نشكر الله على ما يسره لنا من هذا الحساب البسيط الميسر في معرفة التاريخ اليومي الذي يبدأ من الهجرة (هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة) وأن علينا جميعاً أن نكون أمةً متميزة بتاريخها و أخلاقها ورأيها ومعاملاتها عن سائر الأمم الكافرة

بقلم /
أمير بن محمد المدري
إمام وخطيب مسجد الإيمان – اليمن

 

المشاركة تعنى الاهتمام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *