الجود في رمضان

الجود في رمضان :

قال الله تعالى : (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

سورة البقرة الآية : 110

وقال سبحانه : (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

سورة البقرة الآية : 261

إن الصيام يدعو إلى إطعام الجائع ، وإعطاء المسكين ، وإتحاف الفقير ، وشهر رمضان هو موسم للمتصدقين ، وفرصة سانحة للباذلين والمعطِين :

الله أعطاك فابذل من عطيته                    فالمال عارية والعمر رحّـــال

المال كالماء إن تحبس سواقيه                  يأسن وإن يجرِ عذبٌ منه سلسال

وقد روى البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)، وفي رواية أحمد زيادة “لا يسأل عن شيء إلاَّ أعطاه”4.

جود الله تعالى على خلقه :

والجود : هو سعة العطاء وكثرته ، وهو صفة من صفات الله تعالى فهو الموصوف بالجود الكامل عن تمام غنىً ، فالله سبحانه هو أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، وقد ذكر أهل العلم أنه  سبحانه  يضاعف جوده على عباده في الأوقات الفاضلة كما في يوم عرفة ، ويوم النحر، وعشر ذي الحجة ، وغيرها من مواسم الخيرات والتي من أخصها شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) سورة البقرة الآية :186 .

وهذا الجود من الله على عباده يكون في الحسيات وفي المعنويات ، فيفتح الله عليهم من أبواب الأرزاق ، ويوسع عليهم فيه من المطعومات والمأكولات ، والمشروبات والملبوسات ؛ ما لا يوسع في غيره ، وهذا محسوس مشاهد ، وكذا يفتح من أبواب العفو والصفح، والتوبة والمغفرة ما لا يكون في غيره ، ويكفي في ذلك قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) .

جود النبي  صلى الله عليه وسلم-:

ولما كان الله عز وجل قد جبل نبيه  صلى الله عليه وسلم  على أكمل الأخلاق وأشرفها كما قال : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) ، وكان الجود من مكارمها ، وذروة سنام فضائلها ، وكان له صلى الله عليه وسلم  منها القدح المعلى ، والنصيب الأسمى ، والمكان الأسنى ، فهو بلا شك أجود بني آدم مطلقًا ، كما أنه أفضلهم وأعلمهم ، وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف ، وهذا مقتضى السيادة التي كانت له عليهم كما في الحديث الصحيح : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) .

لقد تمثل فيه الجود بكل أشكاله ، وجميع أنواعه ، وشتى صوره ؛ من بذل العلم ، والندى بالمال ، والجود بالنفس لله تعالى  في سبيل إظهار الدين ، وهداية الخلق ، وإيصال النفع إليهم بكل طريق ، فكان  صلى الله عليه وسلم  يطعم جائعهم ، ويقضي حوائجهم ، ويحمل أثقالهم ، ولم تزل تلك صفاته منذ نشأ حتى جاءه جبريل بأمر النبوة والرسالة ، فأستدلت اللبيبة الذكية ، العاقلة الزكية ؛ خديجة – رضي الله عنها – بحسن خلقه على أهليته للرسالة ، وعدم خذلان الله له عندما قال لها : (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، قَالَتْ: كلا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) .

ثم تزايدت هذه الصفات بعد مبعثه ، وتضاعفت ببركة الوحي أضعافًا كثيرة حتى قال أنس – رضي الله عنه – كما في الصحيح : (كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ،، وعند مسلم عن أنس – رضي الله عنه – قال: (مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَىَ الإِسْلاَمِ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَىَ قَوْمِهِ فَقَالَ : يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطَاءً لاَ يَخْشَى الْفَاقَةَ ) .

وفي صحيح مسلم أيضًا عن صفوان بن أمية قال : (وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا أَعْطَانِي ؛ وَإِنَّهُ لأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّىَ إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ )

قال ابن شهاب الزهري : أعطاه مئة من النعم ، ثم مئة ثم مئة ، وقال الواقدي : أعطاه يومئذ واديًّا مملوءًا إبلاً ونعمًا ، فقال صفوان : أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي .

وروى البخاري من حديث سهل بن سعد أن شملة أهديت للنبي  صلى الله عليه وسلم فلبسها  وهو محتاج إليها  فسأله إياها رجل فأعطاه ، فلامه الناس فقالوا : كانَ مُحْتاجاً إِلَيْهَا ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ سَائِلاً ، فَقَالَ : إِنَّما سَأَلْتُها لِتَكُونَ كَفَنِي، فَكَانَتْ كَفَنَهُ ) .

جود الصحابة  رضي الله عنهم -:

فهذا أبو بكر ينفق كل ماله لله ليس مرة بل مرات ، وهذا عمر يتصدق بنصف ماله في غزوة ، فانظر ماذا أنفق بقية عمره ، وطيلة حياته.

وأما عثمان فما زال ينفق في سبيل الله حتى قال  صلى الله عليه وسلم عنه: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) .

وهذا طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة ، والذي أطلق عليه (طلحة الخير) لكثرة فضله ، وهو أكرم العرب في الإسلام ، جاءه رجل فسأله برحم بينه وبينه ، فقال : هذا حائطي بمكان كذا وكذا، قد أعطيت فيه مئة ألف درهم ، يراح إلى بالمال العشية ، فإن شئت فالمال ، وإن شئت فالحائط.

ولا ننسى عائشة – رضي الله عنها – ربيبة بيت النبوة ، الخيرة كأبيها ، الكريمة كزوجها ، كانت من الأجواد ، تصدقت يومًا بمئة ألف وهي صائمة ، فلم تبق لنفسها ما تشتري به فطورًا، تقول لها جاريتها : لو أبقيت لنا ما نفطر به ، قالت : لو ذكرتني لفعلت..

إننا نحتاج أن نجود في رمضان وفي غيره ، فإن إخواناً لنا في كل مكان يحتاجون من يجود عليهم ، وينتظرون من يمد لهم يد العون ، فلننفق لينفق الله علينا، فما نقص مال من صدقة ، ومن يقرض الله قرضاً حسناً يضاعفه له أضعافاً كثيرة ،  ولنستحضر الحديث  عن أَبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكانِ يَنْزلاَنِ، فَيقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تلَفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الجود محمود في رمضان و أنت أهله ببذلك القليل و الكثير ، فليمتد جودك هذا العام إلى الإحسان لمن أساءإليك ، وصلة من قطعك ، و أعطاء من منعك.

و أقتدي بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان صلى الله عليه وسلم  أجود بالخير من الريح المرسلة ، وكان أجود الناس و كان أجود ما يكون في رمضان.

فالكريم :

حبيب الله.. حبيب الناس.. قريب من الله.. قريب من الناس .. حارس لعرضه بكرمه .. مخرس كل ذام بصلته..  وقد قيل: بالمعروف يشتري الأحرار.

فالكريم :

لا يكون حقوداً على غيره .. ولا ينتقم لنفسه .. ولا يحسد من حباهم الله نعماً .. بل يعيش الإيثار في حياته تطبيقاً عملياً.

الكريم كريم الخلق .. فلا يفجر إن خاصم .. ولا يخون إن وضعت لديه أمانة.

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم خلق الله، وكان أكرم ما يكون في رمضان، حتى قال الصحابي –رضي الله عنه- كان أجود بالخير من الريح المرسلة، ولكم تتأملوا كلمة الريح المرسلة، فهي ريح وأرسلت.

وهو الذي علمنا عليه الصلاة والسلام دعاء الرب جل وعز بـ اللهم أهدني لصالح الأعمال، والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها إلا أنت.

 

فلنُنَمِّي  هذه الصفة في القلوب قبل الجوارح بالوسائل التالية   :

أولاً: التهمم في التكرم : وذلك برفع الهمة في هذا الباب، فإن النفس إذا رغبتها في الخير رغبت، وإن أهملتها هملت، فلنطالع قصص أهل الكرم والبذل ، فهذا أسعد بن عبادة-رضي الله عنه- يرجع كل ليلة إلى منزله بثمانين من أهل الصفة يعشيهم، وهذا عجيب وهذا قيس بن سعد بن عبادة –رضي الله عنه وعن أبيه- يمرض فيقل عواده، فيسأل زوجه عن السبب فتخبره أن أصحابه طواقتهم الديون له، وهم يستحيون منه.

فيأمر بالصكوك أن تكتب بالعفو عن كل مدين له، ويقول: اللهم أرزقني مالاً، وفعالاً، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال، كما ذكر الذهبي في السير.

 

ثانياً: مصاحبة القوم ، والتأسي بهم، والنظر في صفحات حياتهم المطوية، إن القدوة تحيطه الأنظار، وأن العين تتربى بأخلاق الكبار، وفي الحديث، الرجل عن دين خليله، فمن أستعان بالله ثم بصاحب كرم على أن  تعدل طباعه، وتهذب نفسه، أفلح و صدق.

 

ثالثا: العلم بالتعلم ، والحلم بالتحلم ، وهذا في عموم التربية على علو الهمة  والهمة بالتهمم.

 

رابعاً : معرفة فضل هذا الخلق ومنزلته، وقيمته الإجتماعية ، وثماره في الدارين وكذا معرفة ضده ، وبضدها تتميز الأشياء ، وهو البخل الذي لو كان وجهاً لكان مشوهاً ، ولو كان يداً لكانت شلاء ، ولو كان ثوباً لما لبس ، أو طعاماً ما لمس

 

المشاركة تعنى الاهتمام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *