العناية بالقرآن

كتاب الله طريق للتقوى وسبيل لمحبة الله تعالى، وهو يهدي للتي هي أقوم هو كما وصفه علي رضي الله عنه : “الناصح الذي لا يغش والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان زيادة في هدى، ونقصان من عمى.. إلى أن يقول: وأعلموا أنه شافع ومشفع، وقائل ومصدق، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه، فإنه ينادي مناد يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله غير حرثة القرآن”.

كثر في المسلمين هجرة القرآن إما حساً أو معنى.. أو كليهما.. إذ لا يقيمون وزناً لتلاوته ولا يتدبرون آياته.. ولا يعملون بتوجيهاته، ولا ينتهون عند حدوده ومحارمه.. حتى وإن قبلوه عند التلاوة.. أو رفعوه في أمكنة علية، أو أبتدؤوا به في مناسباتهم العامة، أو قرؤوه على موتاهم!

ويوجد في المسلمين -أيضاً- من يحفظون كتاب الله، ويكثرون تلاوته.. ولكن يقل فيهم المتأدب بآدابه، والمستشعر لفضل الله ونعمته عليه به، ويقل فيهم العامل به

لقد أستشعر السابقون من أهل الإيمان والتقى قدر القرآن، وعنهم قال الحسن بن علي رضي الله عنه : “إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويعتقدونها في النهار”.

وأعتبر من بعدهم تلاوة القرآن شرفاً وكرامة، حتى قال ابن الصلاح -يرحمه الله- قراءة القرآن كرامة أكرم الله بها البشر، فقد ورد أن الملائكة لم يعطوا ذلك وإنها حريصة على إستماعه من الإنس.

وليس يخفى أن أهل القرآن هم خيار الأمة.. بل هم أهل الله وخاصته، ففي قوله تعالى:  (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس

(آل عمران: من الآية110، وقوله صلى الله عليه وسلم : “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”. وقوله في حديث آخر: “إن لله عز وجل أهلين من الناس”، قيل من هم يا رسول الله؟ قال: “أهل القرآن هم أهل الله وخاصته”. في هذا كله ما يؤكد أن أهل القرآن خيار من خيار، وأنهم خاصة الخاصة.

“وصاحب القرآن حامل لواء الإسلام كما قال القاضي عياض يرحمه الله: حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلغو مع من يلغو ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو تعظيماً لله تعالى”.

يا حامل القرآن: أخلص في حمله، وأعمل بما فيه، وأبشر بالخير والمثوبة عاجلاً وآجلاً، وردد، وقف، وتمعن قوله تعالى : (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (يونس:58.

كما يكرم ذو الشيبة المسلم، وذو السلطان المقسط.. فكذلك ينبغي أن يكرم حامل القرآن. فذلك من إجلال الله.

عن إبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط”.

ما أضاع وقته من صرفه لحفظ القرآن أو تدبره أو أكثر من تلاوته، وما مرض قلب عاش مع القرآن، وبم يترنم من لم يتغن بالقرآن.. وبم يناجب ربه من لم يكن معه شيء من القرآن..ألا وإن الذي ليس معه شيء من القرآن كالبيت الخرب.. ما هزمت أمة كان دستورها القرآن وما خاف الأعداء من شيء كخوفهم من القرآن، وما أقض مضاجعهم أكثر من عودة المسلمين للقرآن.

عظموا كتاب ربكم وأستشفوا به من أدوائكم، وأطلبوا النصر به على أعدائكم، وميزوا به بين أعدائكم وأصدقائكم.. تأدبوا بآداب تلاوته ويرحم الله أقواماً كانوا إذا تثاؤبوا وهم يقرؤون كتاب الله أمسكوا عن القرآن تعظيماً له حتى يذهب عنهم التثاؤب، كما قال مجاهد يرحمه الله وأنى لقوم تلك همهم وآدابهم أن يتشاغلوا حين تلاوته.. أو ينشغلوا عن تلاوته وتدبره.

قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) فاطر: من الآية 29-30.

لا تجارة أعظم من تجارة الإيمان وعمل الصالحات، وتلاوة كتاب الله ضمن التجارة التي وعد الله أنها لن تبور.. وهنيئاً لقراء القرآن لقوله تعالى) :  إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ(فاطر:29، قال قتادة: كان مطرف بن عبدالله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء.

ومع فضل الجهاد فقد سئل سفيان الثوري يرحمه الله، عن الرجل يغزو أحب إليك، أو يقرأ القرآن؟ فقال: يقرأ القرآن، عن عثمان بن عفان قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)

ويروى أن بعض فقهاء مصر دخلوا على الشافعي -يرحمه الله- وهو في المسجد وبين يديه المصحف، فقال له الشافعي: “شغلكم الفقه عن القرآن، إني لأصلي العتمة، وأضع المصحف بين يدي، فما أطبقه حتى الصبح”.

وبقدر ما تكشف هذه النصوص عن قدر القرآن وقيمته وصرف الهمم له عند هؤلاء الأخيار، فهي تكشف عن جلدهم وطول مكثهم في تلاوته وتدبره، كيف لا والمشغول بالقرآن يعطى أفضل ما يعطى السائلون، ففي الحديث القدسي يقول الرب تبارك وتعالى: “من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين”.

عباد الله وقيمة التلاوة للقرآن بتدبره والتأثر به، وإنما أنزل القرآن ليتدبر ويعمل به،

وقوله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً( النساء:82 قال القرطبي: دلت هذه الآيات على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه.

فإن قلت فما السبيل لتدبر القرآن وكمال الإنتفاع به؟ وجدت ذلك في قاعدة جليلة جعلها ابن القيم -رحمه الله- على رأس الفوائد في كتاب الفوائد من حيث قال: “إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك، وأحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى)  : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) قّ:37  إلى أن قال: فإذ حصل المؤثر -وهو القرآن- والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وأنتفى المانع وهو إشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وإنصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر وهو الإنتفاع والتذكر”.

أستوصوا بكتاب الله خيراً، وأحلوه بالمنزلة التي أرادها الله له تفلحوا في الحياتين وتسعدوا في الدارين.

 

المشاركة تعنى الاهتمام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *