إشراقات مولد الهُدى

كان مولد سيد المرسلين محمد بن عبدالله بن عبد المطلب ميلاد أمة سعدت بميلادها الأمم، فهو الرسول المُصطفى، والنبي المُجْتَبَى، الذي ختم الله به أنبياءه، وأرسله رحمة للعالمين كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107)، واختصه دون غيره من الرسل بفضائل وخصائص ومعجزات كثيرة، تشريفاً وتكريماً له، ما يدل على جليل قدره، وعلو منزلته عند ربه، فهو أعظم الناس خُلُقا، وأصدقهم حديثًاً، وأحسنهم عفواً، خير من وطئ الثرى، سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض، وتُفتح له الجنة، قال عنه ربه عز وجل: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (الشرح:4)، {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم: 4)، وقال عنه أبو هريرة رضي الله عنه: “ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه ”  ُ

لقد كانت مكة على موعد مع أمر عظيم سيظل يشرق بنوره على الكون كله إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، إنه ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان نذيراً بزوال الشرك والظلم، ونشر التوحيد والعدل بين الناس،
ومن المعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم وُلِدَ في يوم الاثنين الثاتي عشر من ربيع الأول، فعن أبي قتادةرضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن صوم يوم الاثنين، فقال: (فيه وُلدتُ، وفيه أُنزِلَ عليَّ) رواه مسلم،وأكثر أهل السِيَّر على أنه صلوات الله وسلامه عليه وُلِدَ يوم الثاني عشر من ربيع الأول بعد حادثة الفيل بخمسين يوماً، قال ابن عبد البَرِّ: “وُلِدَ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ قُدومِ الفِيلِ بشهر، وقيل بِأَرْبَعِين يَوْماً، وقيل بِخَمْسِين يوماً”. وقد سبق مولده صلوات الله وسلامه عليه أحداث وإرهاصات سُجِّلت في السيرة النبوية،

,الإرهاصات هي

,الأمور الخارقة للعادة التي يُحدثها الله عز وجل للنبي؛ تبشيراً بنبوته قبل مجيئه وبعثته، فالأحداث العظيمة غالباً يسبقها من الإشارات ما يكون مؤْذِناً بقربها، وعلامة على وقوعها، ولم يطرق البشرية حدث أعظم من ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان منها:

حادثة عام الفيل

هذه الحادثة مشهورة وثابتة بالكتاب والسنة، والتي حاول فيها أبرهة الأشرم غزو مكة وهدم الكعبة، وقد ذكر سبحانه هذه الحادثة في كتابه الكريم، فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} (الفيل:1-5)، قال الماوردي: “آيات الملك باهرة، وشواهد النبوة ظاهرة، تشهد مباديها بالعواقب، فلا يلتبس فيها كذب بصدق، ولا منتحل بحق, وبحسب قوتها وأنتشارها يكون بشائرها وإنذارها، ولما دنا مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاطرت آيات نبوته، وظهرت آيات بركته، فكان من أعظمها شأنًا وأشهرها عيانًا وبيانًا أصحاب الفيل”.

وقال ابن كثير: “هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشرِّ خيبة، وكانوا قوماً نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالاً مما كان عليه قريش من عبادة الأصنام، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه في ذلك العام وُلِدَ على أشهر الأقوال”.

وقال ابن تيمية: “وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير من دينهم، فعُلِم بذلك أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ، بل كانت لأجل البيت، أو لأجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي وُلِدَ في ذلك العام عند البيت، أو لمجموعهما، وأيّ ذلك كان، فهو من دلائل نبوته”.

نور يخرج من حَمْلِ أمِّه به

عن لقمان بن عامر قال سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَة يقول: (قُلْتُ يَا نَبِيَّ الله ما كان أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِك؟ قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأتْ أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام) رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني. قال ابن كثير: “قوله: (ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام) قيل: كان مناماً رأته حين حملت به، وقَصَّته على قومها، فشاع فيهم، واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة”. وقال ابن رجب: “خروج هذا النور عند وضعه؛ إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي أهتدى به أهل الأرض، وأزال به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة:15-16)، وقال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الأعراف:157)”.

لقد كانت مكة على موعد مع أمر عظيم سيظل يشرق بنوره على الكون كله إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، إنه ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان نذيراً بزوال الشرك والظلم، ونشر التوحيد والعدل بين الناس، وعندما قرب شروق مولده صلوات الله وسلامه عليه كانت له إرهاصات وأحداث فريدة. وقد أكثر المؤلفون في ذكر تلك الإرهاصات والحوادث، التي اقترنت بميلاده صلى الله عليه وسلم، والتي فيها الصحيح الثابت والضعيف الذي لا يصح.

قال الشيخ الألباني في كتابه “صحيح السيرة النبوية”: “قد وردت بعض الروايات الواهية بلا إسناد تخص أحداثاً وقعت عند ميلاده صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت منها شيء، منها ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، وخمود النيران التي كان يعبدها المجوس، وانهدام الكنائس حول بحيرة ساوة بعد أن غاضت، وغير ذلك من الدلالات التي ليس فيها شيء ثابت

تجلى مولد الهادي وعمت      بشائره البوادي والقضايا

وأهدت للبرية بنت وهب      يداً بيضاء طوقت الرقابا

لقد ولدته وهاجاً منيراً      كما تلد السماوات الشهابا

مولده صلى الله عليه وسلم ونشأته

تقول آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم  حملته فما أحسست بالحمل،وقبل أن تلده بليلة رأت كأن نوراً خرج منها فأضاءت له قصور الشام،  وُلِدَ النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين الثاتي عشر من ربيع الأول
وقبل أن تلده مات أبوه فنشأ يتيماً، واستمرت معه فترةً ثم ماتت، فبقي اليتيم عليه الصلاة والسلام في اليتم ، ليتعلق بالله وحده،
؛

و كانت قريش ترسل أبنائها إلى قبائل البادية المحيطة بقريش لرضاعتهم لما أشتهرت به تلك القبائل من صفاء اللسان و نقاء اللغة

وأخذته حليمة السعدية  أمه من الرضاعة إلى بادية بني سعد لترضعه،  قالت حليمة: كنا في فقر مدقع، وفي سنة مجدبة والله ما أمطرت علينا ذاك العام قطرة، ولا نبتت في مراوحنا نبتة، فما وصل عليه الصلاة والسلام وهو طفل إلى ديار بني سعد، إلا وغمامة ملأت السماء فأمطرت حتى سالت الأودية، وامتلأت الأودية عشباً أخضر، وحلبوا حتى ملئوا الآنية، وكانوا في رغد من العيش.

وإن الكريم إذا أقام ببلدة      سال النضار بها وقام الماء

وسبحان من أحكم إرادته! وسبحان من أنبته نباتاً حسناً!

حادثة شق الصدر

تقول حليمة: وخرج مرة من المرات مع أخيه من الرضاعة

قالت: أتى أخوه من الرضاعة مسرعاً خائفاً  وفال أتاه رجلان، فبطحاه أرضاً وشقا صدره، وأخذا علقة من قلبه!

ولذلك يقول بعض المفسرين في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  [الشرح:1] : أرسل الله ملكين اثنين، فأخذا طستاً من ذهب مملوءاً حكمة وعلماً، فأتوا إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام، فأضجعوه على ظهره وشقوا صدره الكريم.

، ثم وسعاه فكان واسعاً حكيماً حليماً رحيماً، فلما شقا صدره، أخذا العلقة السوداء- وما منا إلا وفيه علقة سوداء، يجتمع فيها الحسد والحقد والخيانة والغل فقطعوها، وأخرجوها، ثم غسلوا قلبه بماء زمزم، ثم ملئوا -بإذن الله- قلبه حكمةً وإيماناً، ثم ردوا صدره وخاطوه؛ حتى يقول أنس كنت أرى أثر الشق والرسول عليه الصلاة والسلام في الستين من عمره.

ثم أقاموه، وأتى وهو خائف إلى أمه من الرضاعة حليمة، وأخبرها الخبر، فردته إلى مكة.

وعاد -وهو صبي- يتدرج في الكرامة والعزة والرفعة، ما سجد لصنم، ولا شرب خمراً، ولا خان، ولا سرق، ولا كذب، ولا غش، وفي صحيح مسلم: {كان يمرُّ في وديان مكة، فيراه الحجر فيقول الحجر: السلام عليك يا رسول الله! ويراه الشجر فيقول الشجر: السلام عليك يا رسول الله} قبل النبوة، يسلم عليه الشجر والحجر، فيفزع ويخاف وينظر فلا يرى شيئاً.

وينشأ صلى الله عليه وسلم يتيماً، صبوراً فقيراً محتسباً، لم يقرأ ولم يكتب، ويبلغ الخامسة والعشرين من عمره، فيكون مضرب المثل في مكة حياءً وأمانة ووقاراً وعفافاً، ولكن بعد أن نبئ خونوه، وقالوا: ساحر، وقالوا: شاعر، وقالوا: كاهن، ورموه في عرضه، والله يقول: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ  [التكوير:22]

سافر في الخامسة والعشرين من عمره، فنزل في بصرى في الشام فجاءت غمامة تظلله من الشمس وهو مع النوق والإبل، وهناك شجرة، بجانب صومعة بحيرى، يقول عنها أهل العلم من أهل الكتاب: لا يجلس تحتها إلا نبي، فترك الشجر كله وجلس تحتها، حكمة بالغة، وقدرة نافذة.

اختصام قريش في الحجر الأسود

اختصمت قريش في وضع الحجر، وكانت قد هدمت الكعبة قبل الرسالة، واختصمت في من يضع الحجر؟ ومن يحمل الحجر؟ وكانوا أربع قبائل، كل قبيلة تقول: هي التي تضع الحجر، وأتى بنو هاشم، فملئوا صحفة دماً، ثم وضعوا أيديهم وتعاهدوا وتعاقدوا ألا يضع الحجر إلا هم أو يقتلوا عن بكرة أبيهم، ثم اصطلحوا على أن أول من يدخل الحرم هو الذي يحكم في القضية، ودخل البشير النذير، ودخل النبي المعصوم، قبل أن يوحى إليه، ووقف عليهم فأخبروه، فأخذ الحجر ووضعه في كساء، وقال: لتحمل كل قبيلة طرفاً من الكساء، فلما قربوه من موضعه وضعه هو بيده الشريفة، فهو الذي وضع الحجر الأسود مكانه الآن.

بعثته صلى الله عليه وسلم

كان يخرج من مكة إلى غار حراء يتعبد، فكان يتحنث ويتوجه بقلبه إلى الله، يعرف أن للكون إلهاً خالقاً رازقاً وأنه يستحق العبادة، ولكن ما عنده مصحف يقرأ فيه، ولا يعرف الصلاة، قال تعالى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا  [الشورى:52] ويقول الله فيه: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ  [العنكبوت:48] ومكث في الغار، يظل الأربع الليالي والخمس يتعبد،وفي أثناء ذلك، أتاه جبريل وله ستمائة جناح، كل جناح قد سد ما بين المشرف والمغرب، فدخل عليه وقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ.

كفاك بالعلم في الأمي معجزةً      في الجاهلية والتأديب في اليتم

قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، فأخذه فألصقه على صدره ثم غطه، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ  [العلق:1-3] فانطلق يقرأ، ثم أطلقه، فذهب ونزل من الغار، وأخذ ينظر في السماء، كلما نظر في ناحية من السماء، إذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض، ووصل إلى خديجة، إلى الحكيمة العاقلة، إلى الزوجة العاقلة البديعة الرائعة قال: زملوني! زملوني! لقد خشيت على نفسي.

ثم أخبرها الخبر، فنطقت الصدق، وكلمات الواقع، وكلمات العدل والحق وقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، لماذا؟ ألمنصبه؟ ألأسرته؟ ألماله؟ ألشهرته؟ لا، قالت: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، والله لا يخزي أهل المعروف.

وانطلق عليه الصلاة والسلام يدعو قومه إلى الله، انطلق عليه الصلاة والسلام يخرج الأمة من الظلمات إلى النور

المصطفى خير العوالم أحمد *** يا سادتي صلوا عليه لتسعدوا
صلى عليك الله يا علم الهدى *** يا من لـه اسمه أحمد ومُحَمّد
ولد الحبيب وخده متورد *** والنور من وجناته يتوقد
قالت ملائكة السماء بأسرهم *** ولد الحبيب ومثله لا يولد

 

المشاركة تعنى الاهتمام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *